×

مقالات

مقال: الاقتصاد ليس البورصة والبورصة ليست الاقتصاد

بقلم: جمال وجدي

جريدة الأهرام، العدد رقم (45375) بتاريخ 1 مارس 2011

شهدت البورصة المصرية في الأيام الثلاثة الأولى للثورة انخفاضًا حادًا وصفه البعض بالانهيار واعتبره البعض الآخر دليلاً على التدهور الحاد للاقتصاد المصري أو انهياره أو على الأقل إنذارًا باحتمال الانهيار وظهرت بعض الدعوات لمشاركة المواطنين في انقاذ البورصة من ذلك الانهيار باعتبار أن ذلك يمثل مساهمة في إنقاذ الاقتصاد‏.

الأمر الذي يدعو للتساؤل عما إذا كان ذلك صحيحًا وعما إذا كان ضخ أموال جديدة بالبورصة هو الوسيلة المثلى لمساندتها، وللإجابة على هذه التساؤلات فمن المفيد استحضار بعض المفاهيم الهامة فاقتصاد بلد ما يشمل المنظومة الكاملة للمنتجين والموزعين والمستهلكين للسلع والخدمات في المجتمع، بينما البورصة هي سوق لرأس المال أي سوق لبيع وشراء الأوراق المالية وهي الأسهم والسندات، والأولى تمثل أدوات ملكية أي حصصًا في ملكية الشركات المصدرة لها، والأخيرة تمثل صكوك مديونية تستخدمها الشركات كوسيلة للاقتراض، فهي إذن حقوق على الثروة العينية وتمثل جزءًا من الاقتصاد المالي وليس الاقتصاد الحقيقي الذي يشمل الأصول العينية كالأراضي والمصانع والطرق وغيرها من مكونات الثروة الحقيقية التي تنتج السلع والخدمات المختلفة.

وللبورصة سوقان أولهما سوق الإصدار الذي يتم من خلاله طرح أسهم تأسيس الشركات الجديدة، أو التوسع في شركات قائمة وكذلك طرح السندات، وثانيهما السوق الثانوية التي يجري بها تداول الأوراق المالية المصدرة بالفعل، فسوق الإصدار إذن هي الوسيلة التي تمكن من تلاقي أصحاب فوائض الأموال الراغبين في استثمارها مع أصحاب المشروعات الراغبين في تدبير الأموال اللازمة أي أنها آلية هامة لتجميع المدخرات لتوجيهها للاستثمار مثلها في ذلك مثل البنوك بل إن دورها في هذا الصدد يتخطي دور البنوك في الدول الأكثر تقدما اقتصاديًا، ولكن الغالبية العظمي من نشاط البورصة المصرية مركز بالسوق الثانوية فهي إذن مجرد عمليات نقل لملكية الأصول القائمة ولا تمثل أي إضافة للطاقات الإنتاجية للاقتصاد؛ وبالتالي فهي ليست تجميعا للمدخرات بغرض توجيهها للاستثمار بل مجرد عمليات مضاربة بغرض تحقيق الربح السريع من تقلبات الاسعار وهو ربح يتمتع بالإعفاء من الضرائب، وغالبًا ما تحدث الارتفاعات والانخفاضات في أسعار الأوراق المتداولة ليس بسبب أداء الشركات المصدرة لتلك الأوراق أو متانة مراكزها المالية أو مستويات ربحيتها، بل بسبب عمليات المضاربة التي يجيدها البعض ولا يجيدها آخرون، أو بسبب اندفاع المتعاملين للبيع أو الشراء لأسباب غير موضوعية منها التوقعات غير الرشيدة أو الشائعات غير الصحيحة والتي قد يطلقها بعض المضاربين لدفع السوق في اتجاه معين لجني أرباح من وراء ذلك فيحقق البعض أرباحًا قد تكون طائلة بينما يتكبد الآخرون خسائر قد تكون طائلة هي الأخري، وفي النهاية تتساوى الأرباح التي حققها بعض المتعاملين مع الخسائر التي تكبدها متعاملون آخرون خلال فترة زمنية ممتدة بعض الشئ.

ومما يزيد من تأرجح الأسعار بطريقة لا تمت بصلة لأداء الشركات المصدرة لتلك الأوراق المالية، عمليات الشراء بالهامش التي تعني قيام بعض المضاربين بالسوق بشراء الأسهم التي لا يمتلكون كامل قيمتها؛ حيث يدفعون جزءًا من تلك القيمة وتقوم شركة أو أكثر من شركات السمسرة بتوفير التمويل اللازم لسداد جزء من ثمن الأوراق المالية لحساب المضارب مع رهن الأسهم المشتراة للممول مما يزيد من القوة الشرائية للمضاربين ويرفع معدلات السيولة في السوق وبالتالي يدفع الأسعار للارتفاع، وهناك أسلوب آخر يشجع عمليات المضاربة وهو اقتراض الأوراق المالية بغرض البيع حيث يتم الاتفاق بين عميل مقترض وأمين للحفظ يقوم الأخير بمقتضاه -نيابة عن العميل- باقتراض أوراق مالية مملوكة لعميل آخر بغرض بيعها وإعادتها في وقت لاحق لمالكها الأصلي بالشروط التي يتم الاتفاق عليها، وكلا النوعين من التعامل يمثل تشجيعًا لعمليات المضاربة يمكن للمضاربين عن طريقهما الدخول في صفقات تفوق قيمتها المقدرة المالية للمضاربين مما يؤدي للمزيد من تأرجح الأسعار.
ويضاف إلى ذلك أموال المضاربة قصيرة الأجل المتحركة بين الأسواق المالية بحثًا عن عائدات أعلى في وقت قصيرة وتعرف بـالأموال الساخنة وهي السيولة الأجنبية التي تدخل إلى أسواق المال المحلية بهدف جني الأرباح السريعة وهي مملوكة لمضاربين محترفين يقومون بسحب هذه الأموال بمجرد وصول الأسعار إلى المستوي الذي يحقق الأرباح المستهدفة فيحققون أرباحًا كبيرة في وقت قصير نسبيًا دون أي تمويل للاستثمار، ولا يجني السوق المحلي سوى خسائر لمضاربين آخرين تعادل أرباح المضاربين الأجانب كما ترسل إشارات خاطئة عن نشاط المشروعات والأداء الاقتصادي وتزيد من صعوبة السيطرة على سعر الجنيه مقابل العملات الأجنبية نظرًا للزيادات المفاجئة لعرض العملات الأجنبية والطلب عليها بسبب الدخول والخروج المفاجئين لأموال المضاربة تلك.

وبالتالي يمكن القول باطمئنان إنه لا يمكن اعتبار أداء البورصة المصرية في وضعها الحالي مؤشرًا على أداء الاقتصاد ككل؛ حيث توجد فجوة كبيرة بين أداء كل من الاقتصاد الحقيقي والاقتصاد المالي، فتقلبات البورصة تخضع في الغالب لأنشطة المضاربين الهادفة لتحقيق أرباح وللقرارات غير الرشيدة بالبيع أو الشراء لكثير من المضاربين استنادًا لمعلومات غير صحيحة أو انسياقًا وراء الآخرين، كما أنها لا تعبر عما يجري بمؤسسات الإنتاج بدقة، فالعبرة هي بما يجري في مؤسسات الإنتاج السلعي والخدمي، وليس بما يجري بالبورصة التي لا تنتج قمحًا أو اقمشة أو خدمات نقل أو اتصال وبالتالي ينبغي توجيه الدعم إلى مؤسسات الاقتصاد الحقيقي وليس إلى السوق المالي، خاصة أن ما يعلن عن خسائر للبورصة نتيجة انخفاض الأسعار يمثل في الحقيقة خسائر نظرية لم تقع بالفعل وتقع فقط عند قيام حملة الأوراق المالية ببيعها بالأسعار المنخفضة، فيمكن تجنبها ببساطة بعدم قيام حاملي الأوراق المالية ببيعها عند مستويات الأسعار هذه وإن وقعت فسوف تمثل أرباحًا للمشترين عند استعادة السوق لتوازنه، أما الدعم الحقيقي الذي يمكن تقديمه للبورصة فهو وضع النظم والآليات التي تقلص أنشطة المضاربة إلى أدنى حد ممكن لجعلها معبرة عن الاقتصاد الحقيقي بأكبر قدر ممكن.

Powerd By Problem Solving Egypt.